الجصاص

410

أحكام القرآن

إما أن يكون إطلاقه مقتضيا لدخول الكتابيات فيه ، أو مقصورا على عبدة الأوثان غير الكتابيات . فإن كان إطلاق اللفظ يتناول الجميع ، فإن قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) يخصه ، ويكون قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات ) [ البقرة : 221 ] مرتبات عليه ، لأنه متى أمكننا استعمال الآيتين على معنى ترتيب العام على الخاص وجب استعمالهما ولم يجز لنا نسخ الخاص بالعام إلا بيقين ، وإن كان قوله : ( ولا تنكحوا المشركات ) [ البقرة : 221 ] إنما يتناول إطلاقه عبدة الأوثان على ما بيناه في غير هذا الموضع ، فقوله تعالى : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) ثابت الحكم ، إذ ليس في القرآن ما يوجب نسخه . فإن قيل : قوله تعالى : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) إنما المراد به اللاتي كن كتابيات فأسلمن ، كما قال تعالى في آية أخرى : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ) [ آل عمران : 199 ] ، وقوله تعالى : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ) [ آل عمران : 113 ] والمراد من كان من أهل الكتاب فأسلم ، كذلك قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) المراد به من كان من أهل الكتاب فأسلم . قيل له : هذا غلط من وجوه ، أحدها : أن إطلاق لفظ أهل الكتاب ينصرف إلى الطائفتين من اليهود والنصارى دون المسلمين ودون سائر الكفار ، ولا يطلق أحد على المسلمين أنهم أهل الكتاب كما لا يطلق عليهم أنهم يهود أو نصارى ، والله تعالى حين قال : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ) [ آل عمران : 199 ] فإنه لم يطلق الاسم عليهم إلا مقيدا بذكر الإيمان عقيبه ، وكذلك قال : ( من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) [ آل عمران : 113 ] فذكر إيمانهم بعد وصفهم أنهم أهل الكتاب ، ولست واجدا في شئ من القرآن إطلاق أهل الكتاب من غير تقييد إلا وهو يريد به اليهود والنصارى . والثاني : أنه قد ذكر المؤمنات في قوله : ( والمحصنات من المؤمنات ) فانتظم ذلك سائر المؤمنات ممن كن مشركات أو كتابيات فأسلمن وممن نشأ منهن على الاسلام ، فغير جائز أن يعطف عليه مؤمنات كن كتابيات ، فوجب أن يكون قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) على الكتابيات اللاتي لم يسلمن . وأيضا فإن ساغ التأويل الذي ادعاه من خالف في ذلك ، فغير جائز لنا الانصراف عن الظاهر إلى غيره إلا بدلالة ، وليس معناه دلالة توجب صرفه عن الظاهر . وأيضا فلو حمل على ذلك لزالت فائدته ، إذ كانت مؤمنة وقد تقدم في الآية ذكر المؤمنات . وأيضا لما كان معلوما أنه لم يرد بقوله تعالى : ( وطعام الذين أوتوا الكتاب